سياسي عراقي مخضرم كتب عن الصحفي رباح ال جعفر ؟ فمن هو - وكالة اليوم العربي

اخر الأخبار

وكالة اليوم العربي

وكالة اليوم العربي ، وكالة إخبارية تعنى بالشؤون العربية والدولية

الاثنين، 2 أكتوبر 2017

سياسي عراقي مخضرم كتب عن الصحفي رباح ال جعفر ؟ فمن هو

اليوم العربي – متابعة
قدّمت ملف أوراق تعييني مدرساً في إحدى ثانويات العراق بعد إكمال دراستي الجامعية في كلية الآداب ، وكنّا أمام خيارين : أن نذهب ضباط احتياط برتبة ملازم، أو نخدم في التدريس خارج بغداد ، فاخترت التدريس وحددت ثانوية حديثة في أعالي الفرات ، وأنا لا أعرف عنها سوى أنها مدينة لأربعة طلاب من أصدقائي في كلية الآداب، فتوجهت إليها يوم التاسع من تشرين الأول عام 1959 أي بعد يومين من محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم في شارع الرشيد، وكانت الاعتقالات في صفوف القومية أقرب إلى العشوائية، فخشيت أن نعشو على ظلمة المعتقل كما تعودنا، لكني في هذه المرة لم أعد طالباً وقد أفقد سلطة العمل الرسمي الأول في حياتي .

كان إلى جانبي في صدر التاكسي شاب يُدعى عبد الرزاق الحديثي وهو محام جديد، وعند وصولي المدينة سألته عن فندق أتوجه إليه؟ فابتسم وأمسك بيدي قائلاً: إن في حديثة أكثر من خمسمائة فندق وسآخذك إلى واحد منها، وقد اكتشفت أنه يعني بهذه الفنادق بيوت حديثة، إذ لم تعرف هذه المدينة الوديعة ماذا يعني اسم الفندق، وأن الضيف سيقيم في ديوانية ملحقة بالدار، ولم أكن أتوقع أن أمضي هناك أسبوعين كان الخجل فيهما يأكل أعصابي، لكن ما العمل ولا دار للإيجار؟ لكني وعدت أن خليل آل جعفر سينتهي خلال أيام من بناء دار صغيرة تتكون من غرفتين ومحاطة بسياج حيث يبعد المطبخ والحمام عن هذه الغرف بما يقرب من ثلاثين متراً، وكان علينا في ليالي الشتاء أن نخرج من غرفة النوم متوجهين إلى المطبخ والحمّام .

التقيت بصاحب الدار وكان ابنه إسماعيل أحد طلابي في الصف الثاني المتوسط، وسألته عن الإيجار، فأشاح بوجهه وكأني أطعنه بكلام لا يليق، فأعدت عليه السؤال، فأجاب: ومتى أخذ العرب إيجاراً عن منام ضيف في بيوتهم؟ هذه الدار لك ما دمت في حديثة. بعد خمسين سنة عرفت أن هذا الرجل كان أحد أعمام الكاتب والصحفي رباح آل جعفر. في تلك الأيام كنت أمضي وقتي بين المدرسة، ومقهى على الشاطئ تحتشد خشبات الجلوس فيه تحت شجرة توت معمّرة فيأتي رذاذ الناعور، وكأن أهل حديثة ينثّون على وجهي ماء الورد من قوارير السماء, ثم أمضي إلى نادي الموظفين فيحدثني الحاضرون أنهم كانوا يقرأون مقالاتي في جريدة الحرية، فيتصورون أنني شيخاً أرخت المطالعة جفون عيني، وكان صوت الناعور يشدّني إلى عالم تختلط فيه البرية والبراءة والبساطة معاً، فالناس هناك لا يعرفون المضخات الميكانيكية لسحب المياه من الفرات، مكتفين بدوران الناعور وما تحمله جراره من ماء تصبّه في ساقية فوق جدار حجري مرتفع .

يوماً بعد آخر تعلقت بحب حديثة وتعلقت بحبي، فأمضيت عامين لم يقبل صاحب المقهى مرة أن يستلم ثمن الجلوس فيها، ولا أتذكر أنني تناولت طعامي بداري في يومي الخميس والجمعة عدا دعوات تتنافس معي خلال أيام الأسبوع. لقد وجدت نفسي كما أرادتها أحلامي في رؤية العرب يعيشون عصر المهلهل وامرئ القيس والمتنبي، وكانت العروبة في حديثة مباحة فيما كانت بعض محلات بغداد مستباحة. وصلت المدرسة ولم أكن غريباً فقد سبقني اسمي إلى آباء الطلاب وإخوانهم محمولاً على صفحات جريدة الحرية، التي تصل منها نسختان إلى نادي الموظفين ومنها تتسرّب إلى بقية الأنحاء. وكان الطلاب الفصيل الأول الذي سأضخ في وجدانه سيلاً من روايات البطولة وقصص الشعراء بعد أن أقصيت المنهج الرسمي لما فيه من غباء عن عيون الطلاب، فبدأت بابن الملوّح، وجميل بثينة، والمتنبي، سائراً على منهج اتبعته لتحديد الأمة إلى الناشئة لحب لغتهم وأشعارهم وقصص بطولتهم. كان تأثير هذا المنهج في حديثة واسعاً، ولم أكن أتصور أنه سيستمر بعد انتقالي منها إلى ثانوية الرمادي جيلاً بعد جيل، وكأنني كنت أقترب من الأجيال الجديدة التي لم ترني كلما ابتعدت في الزمن عنهم، لكن أن تمر خمسون سنة وينشأ جيل آخر من أبناء طلابي وأبناء إخوانهم سيرفع عالم الفكر والفصاحة ليكونوا من ثمار أغراسي فهذا أمر مذهل، وكان الأديب والكاتب والصحفي رباح آل جعفر من هذه الأغراس الطيبة التي تنفست عطر الأرض المرشوشة بالمطر.

كان رباح آل جعفر من الجيل الثالث الذي ظهر بعدي. كنت أعيش في محلة خاصة بآل جعفر وهم من أشداء القوم الذين يُخشى جانبهم وقد يكونون هم قطب الانتماء العربي الأول، فحملوا ما كان يحمله العرب الأوائل من إقدام وشجاعة وكرم وشراسة، وحب وكره، وسلم وحرب.. وأبناء آل جعفر متساوون في التربية وكأن قبيلتهم معهد تربوي مستقل المناهج. أذكر أن الطالب عرار وهو أيضاً من أعمام رباح، كان يعاني من غرابة اسمه، ولم يكن أحد هناك يحفظ أشهر بيت شعر في حب نجد، والذي يقول :
تمتّعْ من شميم عرار نجد
فما بعد العشيّة من عرارِ
وعرار زهور بريّة ذات عطر خاص، ومن يومها صار عرار الطالب يتباهى باسمه.

مقدمة طويلة تستحقها حديثة، وأنا أنظر إلى رباح وارث الناعور، وسليل خليل ابن المدينة التي لا زالت تستحي لو أنها أقدمت على بناء فندق، والطعام عندها كما كان في أساطير حاتم الطائي لا يُباع، والعروبة ليست ولاء، ولا انتساباً فحسب، إنما وجود سلوكي وإنساني وحياة يومية، ومجموعة أعراف، ومنظومة قيم، أن البيوت لا تُستأجر ونحن في القرن العشرين. لرباح آل جعفر قلم جميل يحمل جينات آل جعفر مع قليل من تأثيرات التمدن البغدادي، فطباعه هي ذاتها التي رأيتها عند أعمامه عبد المجيد ورؤوف وخليل.. وعرار الذي تحدى قوى أميركية في بغداد ورفض الانصياع لأوامرهم، وقد صعب عليه أن ينصاع لصوت جندي قادم من وراء البحار، فأطلقوا عليه النار وأردوه قتيلاً .

يرتقي رباح صهوة اللغة، ويُشرف من فوق سنامها على مبانيها ومعانيها واشتقاقاتها وشواهدها الشعرية، حافظاً ما كان غريباً على آذان مستمعيه من أقرانه، وهذه نقطة تفوق تحسب له أنه يحتفظ بذائقة شعرية نادرة ويحفظ نوادر الشعر العربي، مثلما يسجل في تاريخ الصحافة أن هذا الحديثي الذي فتح صفاح الجرائد البغدادية لم يكن كاتباً زائراً، بل قائد عمل أيضاً. إنه يختلف ثانية عن بني أهله الذين قد يتوجهون إلى بغداد بحثاً عن موقع استخدام حكومي، فيما رباح يعبر الباب الشرقي وباب الشيخ وباب المعظم مطلوباً للعمل في أي جريدة فأدركته حرفة الفقر، فقد عبر تلك الأبواب ولم يجد للرزق باباً، وكان عليه أن يقف عند باب الله الذي يقدّم لمخلوقاته البشرية ما تسيل به قرائح الإبداع وذاك كان رزقه. ويختلف رباح ثالثة عن باقي زملائه. فالرجل يُبدع في كتابة عمود صحفي من الطراز الأول بعد التقاط موضوعه متوكلاً على الله، لا تشاركه كؤوس المداد كؤوس الطلا، وكانت مغاليقه تنفتح إذا غُمس القلم بالمداد، فيما كان المعتاد عند مجايليه (وهو هنا يشبهني) أن يخرج شيطان الكتابة من أفواه القوارير .

ولم يكن اتجاهه في الدين غلوّاً فهو ينتمي إلى بيئة قبليّة عُرفت على مر العهود بالتزاماتها القبليّة، وأظن أن رجلاً من آل جعفر سيظل هكذا حتى لو كان عضواً في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي .

رباح آل جعفر كتب في الصحف، ورأس تحرير صحف، وأصدر صحفاً، واعتكف شاعراً، أي أنه نزل إلى الصحافة من الأدب وهو بهذا الجانب يشبه جيلاً كنت أحد رجاله، فلم نرتفع في الصنعة متدربين وصولاً إلى الحرفة، بل ذهبنا إليها بعد استكمال أدواتنا المعرفية في التاريخ الأدبي، والتاريخ السياسي، واللغة وفنونها، فأحكمنا السيطرة على الكلمة إحكام القاضي على مواد القانون.
ورباح آل جعفر من أهل القوانين اللغوية المطعمة بالحس الصحفي، وبأشياء من آل جعفر، جمعها في مقال يومي خصني أكثر من مرة بواحد منها وفاء لرجل أوفى لحديثة وأهلها، وتخرّج على يديه جيلان على الأقل لم يكن رباح منهم، لكنه كان من مدرستنا النضالية والعروبية والمهنية، فعسى أن يكون وسيكون حامل الأمانة من بعدي عندما يحين رحيلي الأبدي .

حسن العلوي

متابعة قسم اليوم العربي في "لندن"

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق