المحكمة الاتحادية العليا وتكريس فشل الدولة - وكالة اليوم العربي

اخر الأخبار

وكالة اليوم العربي

وكالة اليوم العربي ، وكالة إخبارية تعنى بالشؤون العربية والدولية

الأحد، 18 مارس 2018

المحكمة الاتحادية العليا وتكريس فشل الدولة


اليوم العربي – متابعة /
يحيى الكبيسي /

تعد المحاكم الدستورية الضابط الأخير لمنطق الدولة، فهي صاحبة القول الفصل في تساوق أي قانون او قرار او حكم مع الدستور على مستوى النص، ومع إرادة المشرع على المستوى الاعمق المتعلق بمبدأ روح الدستور. وقد عرف العراق، على المستوى الشكلي على الأقل، هذا النوع من المحاكم بداية من تأسيس الدولة، حين أسس أول دستور عراقي، وهو القانون الأساسي لسنة 1925، ما سماه «المحكمة العليا» (المادة 82) التي تتولى تفسير أحكام هذا الدستور، وفيما إذا كانت إحدى القوانين تخالف احكامه، وهي محكمة «مؤقتة» لا تنعقد للقيام بصلاحياتها إلا بصدور «إرادة ملكية» بهذا الشأن فضلا عن موافقة مجلس الوزراء! وقد حكم التسييس عمل هذه المحكمة على الرغم من ندرة قرارتها، فقد أقرت، على سبيل المثال لا الحصر، صدور قانون رقم 69 لسنة 1943 الخاص بإجراء تعديلات دستورية واسعة النطاق في عهد الوصي (كان سن الملك فيصل الثاني حينها 8 سنوات) على الرغم من انتهاك هذا القانون للمادة 22 من القانون الأساس التي نصت على أنه «لا يجوز إدخال تعديل ما في القانون الأساسي مدة الوصاية بشأن حقوق الملك ووراثته»!
والمفارقة أن النظام الجمهوري الذي حكم العراق (1958 ـ 2003)، أغفل تماما تأسيس محكمة دستورية (الدستور المؤقت لعام 1958، والدستور المؤقت لعام 1963، والدستور المؤقت لعام 1964). وإذا كان الدستور المؤقت لعام 1968 عمد إلى إنشاء ما سماه «المحكمة الدستورية العليا» التي تختص بتفسير أحكام الدستور والبت في دستورية القوانين والانظمة الصادرة بمقتضاها، فضلا عن تفسير القوانين المالية والإدارية (المادة 87)، إلا أن هذه المحكمة سرعان ما تم الغاؤها في الدستور المؤقت لعام 1970!
بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، صدر قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية (2004) الذي أقر تشكيل محكمة اتحادية عليا تتولى اختصاصات عدة من بينها من بينها البت في دستورية القوانين او الانظمة او التعليمات، والبت في الدعاوى بين الحكومة المركزية وحكومات الاقليم والمحافظات والبلديات والإدارات المحلية، فضلا عن منحها صلاحية محكمة استئناف عليا (المادة 44). وبموجب هذه المادة صدر القانون رقم 30 لسنة 2005 الذي أقر تشكيل محكمة اتحادية عليا تتكون من رئيس وثمانية قضاة، يجري تعيينهم من مجلس الرئاسة بناء على ترشيح من مجلس القضاء، وقد حددت صلاحيات هذه المحكمة بالفصل بالمنازعات المتعلقة بدستورية القوانين والانظمة والتعليمات والاوامر، والفصل في المنازعات بين السلطات الاتحادية وسلطات الأقليم والمحافظات غير المنتظمة في اقليم، والنظر في الطعون المقدمة على الاحكام والقرارات الصادرة من محكمة القضاء الإداري، واخيرا النظر بالدعاوى المقامة أمامها بصفة استئنافية ينظم اختصاصها بقانون اتحادي (المادة 4). وأشارت المادة 7 من القانون إلى أن أعضاء المحكمة التسعة يجب ان يؤدوا اليمين أمام رئيس الجمهورية.
في مرحلة لاحقة، تحدث الدستور العراقي لعام 2005، عن محكمة اتحادية عليا مختلفة تماما؛ من حيث بنيتها وصلاحياتها عن المحكمة الموصوفة في القانون السابق؛ فالدستور قرر أن تتكون من «عدد من القضاة، وخبراء في الفقه الاسلامي، وفقهاء القانون، يحدد عددهم، وتنظم طريقة اختيارهم، وعمل المحكمة، بقانون يسن بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب» (المادة 92/ ثانيا). كما قرر ان هذه المحكمة تختص بالرقابة على دستورية القوانين، وتفسير النصوص الدستورية، والفصل في المنازعات التي تنشا عن تطبيق القوانين والأنظمة والتعليمات، وفي المنازعات بين الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات، وبين حكومات الأقاليم والمحافظات، والفصل في الاتهامات الموجهة إلى رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء والوزراء، والمصادقة على نتائج الانتخابات البرلمانية، واخيرا الفصل في تنازع الاختصاصات بين القضاء الاتحادي والهيئات القضائية في الأقليم والمحافظات، او بين الهيئات القضائية للأقاليم والمحافظات.
وكما هو واضح ثمة اختلاف كبير بين المحكمة الموصوفة في القانون٫ وتلك الموصوفة في الدستور من حيث البنية والاختصاصات، لكن تواطؤا بين السلطات الاتحادية العراقية (رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء ومجلس النواب) والمحكمة الاتحادية العليا القائمة، جعلها تتولى صلاحيات مزدوجة: الصلاحيات الواردة في قانونها، فضلا عن الصلاحيات الواردة في الدستور العراقي، في انتهاك صريح للدستور! هكذا ظلت المحكمة العليا تمارس اختصاصها كمحكمة إدارية عليا على الرغم من ان الدستور لم يتحدث عن هكذا اختصاص للمحكمة التي أقرها!
لم يقتصر الأمر على الاختصاصات فقط، بل ان رئيس المحكمة الاتحادية العليا قام شخصيا بتعيين قضاة احتياط» للمحكمة في انتهاك صريح لاحكام الدستور والقانون معا! وبالعودة إلى قانون رقم 30 لسنة 2005 نجد ان القانون نص على ان: «تتكون المحكمة الاتحادية العليا من رئيس وثمانية اعضاء يجري تعيينهم من مجلس الرئاسة بناء على ترشيح من مجلس القضاء الاعلى» (المادة 3) وليست هناك أية إشارة إلى قضاة احتياط! وبالعودة إلى الدستور العراقي الذي تحدث نجد أن المادة 92/ ثانيا قررت ما يأتي: «تتكون المحكمة الاتحادية العليا، من عددٍ من القضاة، وخبراء في الفقه الاسلامي، وفقهاء القانون، يُحدد عددهم، وتنظم طريقة اختيارهم، وعمل المحكمة، بقانونٍ يُسن بأغلبية ثلثي اعضاء مجلس النواب». وحيث ان هذا القانون لم يشرع بعد فليس هناك شيء اسمه قضاة احتياط في المحكمة الاتحادية! والسؤال هنا هو: اولا. من عين هؤلاء القضاة الاحتياط خاصة وأن القانون يشترط تعيينهم من رئيس الجمهورية؟ ثانيا. هل ادى هؤلاء القضاة الاحتياط اليمين الدستورية أمام رئيس الجمهورية كما قرر القانون؟ خاصة وأن الموقع الالكتروني للمحكمة الاتحادية نجد خبرا عن تأدية القضاة الاحتياط «اليمين القانونية أمام رئيس المحكمة الاتحادية وامام رئيس مجلس القضاء الاعلى»!
في سياق طويل من القرارات المتناقضة والمخالفة للدستور! أصدرت المحكمة الاتحادية مؤخرا قرارين يتعلق الاول بطبيعة الشهادة التي يجب أن يحوزها المرشح لانتخابات مجلس النواب، ويتعلق الثاني بتعريف المناطق المتنازع عليها الواردة في الدستور العراقي. وفي القرارين تناقض المحكمة الاتحادية نفسها، بقضاتها انفسهم، قرارين سابقين لم يمر عليها سوى بضعة أشهر! ففي 29 كانون الثاني/ يناير 2018 ردت المحكمة الاتحادية طعنا على الفقرة المتعلقة بشرط شهادة البكالوريوس للمرشحين لانتخابات مجلس النواب العراقي، وجاء في رد الطعن ما نصه:»فلا يجوز ان يكون عضو مجلس النواب في تحصيله العلمي دون تحصيل الوزير ما داما في مركز واحد فلا يفرد المرشح في عضوية مجلس النواب عن الوزير.».. (القرار 15/ اتحادية/ 2018). ويفترض أن يكون هذا القرار باتا وملزما للسلطات كافة كما يقرر الدستور! ولكن مجلس النواب العراقي لم يلتزم به!!! وأصدر تعديلا اتاح لحاملي شهادات الإعدادية الترشح للانتخابات. ومرة أخرى تم الطعن على هذا التعديل لدى المحكمة الاتحادية، لتقرر المحكمة نفسها، بقضاتها أنفسهم، في 5 آذار/ مارس 2018، أي بعد خمسة وثلاثين يوما فقط من تاريخ القرار الأول، رد هذا الطعن أيضا، لتقرر أن شرط الشهادة الإعدادية «خيار تشريعي لمجلس النواب» (القرار 33/ اتحادية/ 2018)! أي أن المحكمة الاتحادية ردت طعنين بدعوى عدم استنادهما إلى سند من الدستور، الأول ضد شرط البكالوريوس وعدت هذا الشرط دستوريا! ثم ردت طعنا ضد شرط الإعدادية وعدته «خيارا» تشريعيا! ولا يمكن فهم هذا التناقض إلى من خلال فهم السياق السياسي وليس النص الدستوري!
في الحالة الثانية أصدرت المحكمة الاتحادية قرارا بتاريخ 11 آذار/ مارس 2018 قررت فيه «وتجد المحكمة الاتحادية العليا ان المناطق المتنازع عليها من وجهة نظرها هي التي لم تكن تدار من قبل حكومة اقليم كردستان في 19/ 3/ 2003 الواقعة في محافظات دهوك وأربيل والسليمانية وكركوك وديالى ونينوى، وان حسم هذا الموضوع يكون من قبل اللجنة المشكلة وفقا للمادة 140 من الدستور، وان تشخيص هذه الأراضي تختص به اللجنة المشكلة وفقا للمادة 140 من الدستور» (القرار 43/ اتحادية/ 2018). وبهذا القرار يتناقض بالمطلق مع قرار سابق أصدرته المحكمة الاتحادية العليا نفسها، بقضاتها أنفسهم، بتاريخ 20 تشرين الثاني/ نوفمبر 2017، أي قبل 110 يوما فقط، الذي قررت فيه: «وتجد المحكمة الاتحادية العليا بأن الأراضي المتنازع عليها هي تلك الأراضي التي كانت تدار من حكومة اقليم كردستان بتاريخ 19/ 3/ 2003، وان المعيار في كون المنطقة متنازعا عليها من عدمه هو الوارد في المادة 35/أ من قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية.».. (القرار 113/ اتحادية/ 2017)! هكذا تتحول المناطق المتنازع عليها بإرادة المحكمة الاتحادية العليا من كونها «المناطق التي كانت تدار» من حكومة الإقليم إلى «المناطق التي لم تكن تدار» من حكومة الإقليم!!!
عندما تتحول المحكمة الاتحادية العليا في العراق إلى مجرد أداة سياسية تصدر قرارات مسيسة «حسب الطلب»! وعندما تتواطأ سلطات الدولة كافة، وقطاعات سياسية ومجتمعية واسعة اعتمادا على تحيزاتها، مع هذا الكم الكبير من الانتهاكات الدستورية والقانونية، فنحن أمام نموذج حقيقي ليس للدولة الفاشلة وحسب، وإنما امام نموذج لتكريس لهذا الفشل!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق