اقسم... وقّع... ابصم - وكالة اليوم العربي

اخر الأخبار

وكالة اليوم العربي

وكالة اليوم العربي ، وكالة إخبارية تعنى بالشؤون العربية والدولية

الأربعاء، 25 أبريل 2018

اقسم... وقّع... ابصم



اليوم العربي/
مشرق عباس /
ليس الأمر بهذه السهولة يا صديقي... فشروط ترشحك في قائمتنا المباركة قاسية، ونحن سياسيون محنكون نعرف أفكارك السوداء قبل حتى أن تفكر بها.

سمع الكثير من المرشحين الجدد والسابقين والمخضرمين في العراق هذه الجملة من قائد الحزب الذي طرقوا بابه أو طرق بابهم للترشح معه، فالأمر لم يكن يتعلق يوماً بالانتماء السياسي أو حتى الولاء المذهبي كما يعتقد الكثيرون، بل إن التزامات واضحة وقاسية تضعها أحزاب عدة قبل السماح للمرشحين بخوض الانتخابات ضمن قوائمها، والتمتع بمميزاتها.

وأولى المميزات تلك التي فرضها قانون الانتخابات ضمن طريقته المثيرة للجدل «سانت ليغو»، حيث يتوقع بعض زعماء الكتل حصولهم على أصوات تتعدى قيمة المقعد الواحد وأن الفائض من تلك الأصوات سيجودون به على أعضاء قوائمهم بما يسمح بأن يصل الى البرلمان من حصل على 500 صوت بأصوات الزعيم، على حساب من حصل على 20 ألف صوت.

وحتى لو لم يتسن للمرشح الحصول على مقعد أصيل، فإن لديه فرصة بالمقعد البديل الذي قد يحصل عليه بقرار من زعيم القائمة تعويضاً عن النواب الذين اختيروا ليصبحوا وزراء وتنفيذيين.

كل ذلك يدفع الأحزاب الكبيرة الى التدقيق في ولاء مرشحيها، خصوصاً أن التجارب السابقة كشفت عن انسحابات وانشقاقات للكثير من النواب بعد وصولهم الى البرلمان.

وقد يبدو قسم الولاء للحزب والزعيم تقليداً شكلياً في المرحلة الأولى، لكنه ضروري، والقسم يتم أمام شهود عشائريين ورجال دين، وقد تترتب عليه اعتبارات منها «هدر الدم عشائرياً» فيما لو نكث المرشح بقسمه، والكثير من المرشحين ذهبوا برفقة زعمائهم الى مرقد العباس بن علي في كربلاء كتقليد عراقي على تغليظ القسم الذي قد يتم أحياناً ببصمة من دم المرشح.

والمرحلة الأخرى من إجراءات التحقق من الولاء، تتم بتوقيع المرشح على استقالة مكتوبة من البرلمان من دون تاريخ، ويمكن الزعيم تقديمها في حال نكوث المرشح الفائز على قائمته، كما أن بعض الالتزامات تذهب الى تقديم المرشح الجديد شيكات مصرفية من دون رصيد الى زعيم الكتلة، أو رهن منزل سكنه، وقد يصل الأمر الى ما هو أبعد وأكثر غرابة.

في مناسبات مختلفة كان على نواب دفع مبالغ مالية لزعماء كتلهم للسماح لهم بالانشقاق الودي، أو للحصول على الوثائق التي سلموها وقت ترشحهم، وأحياناً يستعين بعض النواب بطريقة «الكتلة الغالبة» حيث تقوم كتلته الجديدة بفرض انتقاله اليها سواء بصفقة تبادل نواب، أو تبادل مناصب أو مصالح.

لا يعني هذا أن كل المرشحين مكبلون، فعدد منهم رفض أن يوقّع أو لم يعرض عليه حزبه، خصوصاً إذا كان من الأحزاب الجديدة، التوقيع، فالقضية قد تكون معكوسة تماماً لدى أحزاب لا يتوقع زعماؤها الحصول على ما يؤهلهم من الأصوات للظفر بمقعد نيابي، وهم ينتظرون جمع أصوات كل المرشحين في قائمتهم لكسب مقعد يكون من نصيب الزعيم.

يتعلق الأمر بعجز الوسط السياسي العراقي خلال تجربته بعد العام 2003 عن إنتاج بيئة حزبية رصينة، تمكنه من إنتاج دماء حزبية شابة يزجها بشكل تدريجي الى المعترك السياسي مكتسبة خلال رحلة صعودها المزيد من الخبرة، وتجمعها مع أحزابها أفكار ومتبنيات لا تمت بصلة الى نظرية «ابصم ورشح».

من الطبيعي أن يتحدث الوسط السياسي في العراق عن تجربة ديموقراطية فتية، مركزها الانتخابات، ومن الطبيعي أن يتهم مخالفيه بالنظر الى نصف الكأس الفارغ فقط بنية مبيتة، لكنه يتجنب بذلك الالتفات الى جوهر مشكلة النظام السياسي العراقي ومرض العملية السياسية، ابتداء من غياب «الحزب» ذلك الناظم والمؤسس للمتبنيات، ويتغاضى بالضرورة عن إدراك حجم الخلل الذي وصلت اليه الأحزاب العراقية التي تحدر بعضها الى أن يكون جامعها الوحيد مع أعضائها هو وثائق ابتزاز وتهديد وقسم ولاء عشائري أو ديني، ومع جمهورها سعر بطاقة الانتخاب!

التجارب الديموقراطية والانتخابية تنحت الخبرات الحزبية، وفي تجربتنا العراقية فإنها تدمرها، لنصل اليوم الى مرحلة التفكك الحزبي شبه الشامل، بانتظار أن يكون ذلك مقدمة لإنتاج أحزاب جديدة برؤية جديدة على أنقاض تجربة أحزاب فشلت.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق