العراق: نظام المشيخة بوصفه أداة سياسية (مقال) - وكالة اليوم العربي

اخر الأخبار

وكالة اليوم العربي

وكالة اليوم العربي ، وكالة إخبارية تعنى بالشؤون العربية والدولية

الخميس، 30 مايو 2019

العراق: نظام المشيخة بوصفه أداة سياسية (مقال)


بقلم – يحيى الكبيسي

تحدثنا في مقال سابق عن التحولات التي طرأت على بنية العشيرة وأدوارها ووظائفها؛ منذ نهاية العهد العثماني إلى الآن، وأشرنا إلى أن العشيرة تحولت منذ منتصف القرن التاسع عشر تقريبا إلى مجرد وظيفة، وصار ينظر اليها من خلال علاقة السلطة بها وليس العكس. وأن القوانين المتعلقة بملكية الأرض كانت سببا حاسما في هذا التحول، بداية من قانون الأراضي العثماني عام 1858 والذي وضعه مدحت باشا من اجل تشجيع العشائر على التوطن.
بعد احتلالهم للعراق في العام 1917، حرص البريطانيون على تعزيز نظام «المشيخة» لاستخدامه كأداة للضبط الاجتماعي، هكذا أصدر البريطانيون عام 1918 قانون العشائر العراقي. ثم سجلت أغلب الأراضي الزراعية بأسماء شيوخ العشائر، فأصبحوا المالكين الرسميين لها مع صدور (قانون تسوية حقوق الأراضي رقم 50 لسنة 1932)، و (قانون اللزمة رقم 51 لسنة 1932)؛ وقد تم استكمال هذه الحلقة مع صدور (قانون حقوق وواجبات الفلاح رقم 28 لسنة 1933) الذي ألزم الفلاح بالبقاء والعمل في هذه الأراضي. كما عمد البريطانيون إلى تقوية سلطة شيخ العشيرة من خلال منح الشيوخ سلطة القضاء في عشائرهم رسميا، فضلا عن مسؤولية حفظ الأمن، وحماية طرق المواصلات، وجمع الضرائب في مناطقهم! كان الهدف الرئيسي من ذلك هو تحويل «المشيخة» من سلطة معنوية لشيخ العشيرة التقليدي (الكبير/ الأب/ الراعي)، إلى سلطة شيخ العشيرة المالك، والمسؤول الإداري، والنائب البرلماني. مع كل ما يترتب على ذلك من تحويل العشيرة إلى بنية اجتماعية ـ سياسية ـ عسكرية، تقوم بوظائف متعددة! ويبدو ان الملك فيصل الأول لم يكن راضيا على هذه السياسة، كما يتضح ذلك من خلال ما كتبه حول ما أسماه «مشكلة الأرض وحلها» لما يراه من «مساس كبير بالشيوخ» كما يرى ان اي محاولة لحل مشكلة هذه الأراضي لربط «الأهالي بالأرض» يجب أن لا تجعل «الشيوخ والأغوات» (الأغوات هو الإسم الذي يطلق على شيوخ العشائر الملاك في المناطق الكردية) يحسون بان «قصد الحكومة محوهم» بل يجب «ان نطمئنهم على معيشتهم ورفاهيتهم»! ولكن وفاة الملك فيصل الأول لم تتح له تطبيق رؤيته، هكذا وجدنا ان النموذج البريطاني للشيخ/ الإقطاعي ظل حاكما إلى نهاية العهد الملكي.
تعرض نظام المشيخة إلى تحد كبير بعد انقلاب/ ثورة تموز 1958، فمع صدور قانون الإصلاح الزراعي، وإلغاء قانون محاكم العشائر، والقوانين الاخرى، تقوضت سلطة الشيخ بالكامل! كما ساهمت عوامل أخرى في تقويض موقع الشيخ نفسه هذه المرة، فالتحولات الاقتصادية الجديدة القائمة على توزيع العمل، وترسيخ مفهوم الملكية الخاصة. فضلا عن انتشار التعليم، وطبيعة العلاقة الفردية مع الدولة (أحزاب، أو موظفين، أو ضباط)، أعادت صياغة التراتبية داخل المؤسسة العشائرية، وأعادت صياغة العلاقات داخلها بشكل يختلف تماما عن التوصيف التقليدي والسائد للعشيرة. ولكن الأمر تغير بعد حرب الخليج الثانية في العام 1991،
فتحلل الدولة وضعفها، بفعل الحصار الاقتصادي، دفعها إلى إعادة إنتاج نظام «المشيخة» مرة أخرى، في محاولة للاستعانة بها من أجل الضبط الاجتماعي.
إن إعادة الإنتاج هذه لم تهدف إلى استعادة العشيرة لدورها في مجالها الطبيعي خارج المناطق الحضرية وحسب، وإنما تعداه إلى تنمية حضورها في المجتمع المديني نفسه، مما أدى إلى تفكيك بنى هذا المجتمع الضعيفة والمتهالكة. ولكن الملاحظة المهمة هنا، ان إعادة الانتاج هذه كانت تهدف أيضا إلى تكريس «تذري» البنى العشائرية التقليدية بطريقة تمنعها من ان تشكل تهديدا للدولة/ النظام السياسي، وذلك من خلال الاعتراف الرسمي بتعددية «المشايخ»!

محاولات استخدام بنية العشيرة الاجتماعية لأغراض براغماتية، كانت دائما نموذجا مغريا، من دون أي انتباه او التفات إلى ما يؤديه هذا الاستخدام «الانتهازي» من تقويض للعشيرة والدولة معا

هكذا شهدت سنوات التسعينيات ظهور كم كبير من «الشيوخ» المفترضين، وشهدت هذه المرحلة تنافسا بين كثيرين ليتم الاعتراف بهم بوصفهم شيوخا، لاسيما مع المنح والمكرمات التي كانت تقدم إليهم. هكذا استعاد بعض «الشيوخ» تاريخهم العشائري الآفل، وقدموا أنفسهم بوصفهم شيوخا، وعمل آخرون على إقناع الآخرين من وحداتهم القرابية بتسجيل أنفسهم في قوائم «الشيوخ» هذه. وهكذا شاع في هذه المرحلة مصطلح «شيوخ تايوان» في إشارة إلى أنهم شيوخ مزيفين، حالهم حال البضاعة التايوانية المزيفة التي غزت الأسواق العراقية بعد عام 1991. وصار رأسمال «الشيوخ» الجدد يستمد ماديا، حصرا، من اعتراف الدولة بهم، وتسجيلهم في قوائم المكرمات، وشكليا من العباءة والعقال اللذين عادا بقوة في التسعينيات (في السبعينيات، وضمن محاولات التحديث القسري التي مارستها الدولة/النظام بعد العام 1968، من بينها صدور أوامر تمنع استخدام الألقاب العشائرية في المعاملات الرسمية، وأخرى تمنع من يرتدي الدشداشة والعباءة والعقال من قيادة السيارات ومن دخول المؤسسات الرسمية). هذا الوضع دفع الكثير من الشيوخ الحقيقيين إلى الابتعاد عن الدخول في هذه اللعبة.
بعد الاحتلال الأمريكي للعراق في العام 2003، وبسبب انهيار الدولة ووسائل الضبط الرسمية، حاول شيوخ العشائر العمل على زيادة الدور الاجتماعي والسياسي للمؤسسة العشائرية من خلال تشكيل تجمعات ومجالس من أجل استعادة وظيفتها كأداة للضبط الاجتماعي من جهة، والتفكير بإمكانية توسيع دورها من خلال الدخول إلى السلطة. ولكن بدا واضحا من خلال تشكيل مجلس الحكم في 13 تموز 2003 أن سلطة الائتلاف المؤقتة لم تعترف، وربما لم تقتنع بمنح دور لشيوخ العشائر في إدارة السلطة، ولو شكليا في العراق! فقد خلا المجلس من شيوخ العشائر تماما، ولم يكن اختيار غازي الياور، وهو أحد أحفاد الشيخ محسن الياور شيخ شمر في العراق، بصفته شيخا عشائريا، بل جاء اختياره بسبب كونه سنيا بالدرجة الأولى، إذ واجهت سلطة الائتلاف صعوبة كبيرة في اختيار أسماء سنية يمكن أن تكون ممثلا حقيقيا مقبولا.
بعد ذلك بدأ يتردد أسم الكولونيل ألن كينغ بوصفه مسؤول مكتب الارتباط مع العشائر الذي شكلته سلطة الائتلاف المؤقتة في كانون الأول 2003. ولكن الكولونيل كينغ، وفقا لما ذكرته صحيفة الأندبندنت في 18 كانون الثاني /يناير 2004 أشار إلى رفض كبار الشيوخ الدخول إلى الساحة السياسية، والى أن الشيوخ الذين يتعامل معهم، وهو يسميهم شيوخ «الفئة الوسطى»، والذين بدأوا بتنظيم أنفسهم بواسطة مجالس، لا يتمتعون بنفوذ حقيقي في عشائرهم. هكذا وجدنا القيادات الميدانية في الجيش الأمريكي تتيح لشيوخ العشائر مساعدتها، وليس مشاركتها، في الإدارات المحلية لبعض المناطق، أو في جعلهم وسطاء بينها وبين المجتمع المحلي اعتمادا على النموذج الزبائني، ولعل النموذج الاهم هنا هو نموذج شيوخ الصحوات التي أنتجهم الجنرال بترايوس (شيوخ بترايوس)!
وكانت المحاولة الأخيرة لاستخدام «المشيخة» براغماتيا لأغراض سياسية، هي محاولة رئيس مجلس الوزراء الأسبق نوري المالكي اعتماد السياسة نفسها، في المناطق السنية من خلال انتاج الصحوات الجديدة التي شكلها في شباط 2013، من خلال ما يمكن أسميته (شيوخ المالكي) هذه المرة، وقد انتهت هذه المحاولة مع دخول داعش! كما أنه حاول اعتماد النموذج نفسه في المناطق الشيعية عبر ما اطلق عليهم المالكي «شيوخ الاسناد». ولكن خروج المالكي من السلطة في العام 2014 أنهى هذا الاستخدام، ولو على المستوى الرسمي.
لم تعد العشيرة في العراق، بنية اقتصادية أو سياسية أو عسكرية، ولم يعد لشيخ العشيرة أي سلطة حقيقة او رمزية على أبناء عشيرته، فقد انتهت العشيرة لان تكون بنية اجتماعية حصرا، ولم تتحلل بشكل نهائي بسبب طبيعة التحولات السياسية والاقتصادية والثقافية التي حكمت العراق خلال العقود الاخيرة. ولكن محاولات لاستخدام هذه البنية الاجتماعية لأغراض براغماتية، كانت دائما نموذجا مغريا، من دون أي انتباه او التفات إلى ما يؤديه هذا الاستخدام «الانتهازي» من تقويض للعشيرة والدولة معا!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق