الجبهتان النجيفية والحلبوسية.. محطات القوة والضعف - وكالة اليوم العربي

اخر الأخبار

وكالة اليوم العربي

وكالة اليوم العربي ، وكالة إخبارية تعنى بالشؤون العربية والدولية

الثلاثاء، 17 سبتمبر 2019

الجبهتان النجيفية والحلبوسية.. محطات القوة والضعف


باسم العوادي

خطوات مهمة جداً تشهدها ساحة التجاذب السياسي السني بين حراك رئيس البرلمان محمد الحلبوسي وتشكيل (جبهة سنية) عريضة يمكن أن تسمى جبهة (الإمكانات)، يصاحبها نوع من قوة لي الذراع لمن يريد أن يعرقل أو يعاند، مع حراك إعلامي محموم لتقديم الحلبوسي كزعيم سياسي سني أعلى، برغم أن الساحة السنية مليئة بأسماء كبيرة لايمكن اخفاؤها أو الصعود عليها بسهولة، وهي وإن لم تكن تمتلك إمكانات الحلبوسي ونفوذه في الدولة حالياً، لكنها لا تقل عنه تأثيراً في ميادين أخرى.

في السياق، تشكلت جبهة أخرى بقيادة رئيس البرلمان الأسبق أسامة النجيفي، يمكن تسميتها بجبهة (رد الفعل) حيث أن العنصر الجامع لأغلب من انضوى فيها هو عدم توافقهم مع جبهة الحلبوسي قيادة وأسلوباً، وبالتالي لايمكن لهم أن يتركوا الساحة السياسية السنية التي تعودت خلال السنوات الـ 16 الماضية على نمط من التعامل، فيه مستوى حرية وتساو في الخيارات والعلاقات، ويتم التحول إلى مشهد واحد يعتقدون أنه يفرض عليهم طريقة وتوجهاً وقيادة واحدة ولا خيارات أخرى متاحة.

فيما تقف أطراف قوية أخرى على تل المراقبة والترقب بانتظار أن تحدد اتجاه بوصلتها، برغم أن هذا الحراك السياسي علامة صحية إيجابية لأنه أخرج الحراك السني من حالة الركود منذ عام 2014 وقذف به إلى قمة المشهد السياسي العراقي.

فمن استطلاع أولي لآراء مجموعة متابعين ومحللين ومعلومات دقيقة يتضح بجلاء ملامح عامة  للجبهتين، منها انحصارها في إطار اللون الواحد، عدم وجود رؤية سياسية واضحة لأي جبهة خارج إطار التنافس على إدارة المشهد السني، وإطلاق سباق زعامة في وسط حقيقة مهمة تقول إن الساحة السنية تفتقر (للمرجعية السياسية) صاحبة اليد العليا أو صاحبة الكلمة الأخيرة أو الفصل عند التقاطع والاختلاف، ما يحرك مشاعر الطموح لملء هذا الشاغر الأعلى.

أدوات التنافس:

وضمن ساحة الصراع الآني على الزعامة السنية تستخدم أدوت كثيرة، منها الإمكانات (حكومية أو شخصية)، ردات الفعل السياسية المعارضة، منهج العودة الى أحضان الهوية والمذهب، اللجوء مرة أخرى الى عواصم الإقليم السني، جمع العدد الكافي بعقود إعمار المحافظات، اللجوء إلى الشكاوى والقضاء، وعليه فالأساس الذي تقوم عليه الجبهتان ضعيف وقابل للانهيار مع أي تطورات سياسية داخلية او خارجية متوقعة لاحقاً في ظل غياب المنهج أو الفكرة السياسية الجامعة، التي يمكن أن تقوي صلب أية جبهة سياسية.

في المقابل هناك آراء اخرى تذهب الى أن (المشروع السياسي) ليس مهماً في الوقت الحالي داخل المشهد السني فهو خطوة لاحقة تأتي ما بعد فرز الجبهات وتثبيت القيادات وخلق الزعامات بأي طريقة، وعندما تتحول إحدى الجبهتين الى حقيقة على الأرض يمكن لها أن تتبنى مشروعاً سياسياً وتفاوض عليه بقية القوى الوطنية، فما يهم الآن هو من يحكم ومن يسيطر ومن يقدر على التحكم بمجالس المحافظات خلال الانتخابات القادمة لكي يسخرها للانتخابات البرلمانية لاحقاً.

ومن أخطر مكامن الضعف في الجبهات هي الأسماء التي تعودت التنقل بين الكتل وفقا (للعرض والطلب) وإن كان المرض يعشعش في الجسد الكتلوي العراقي مجملاً، إلا أن الواقع السياسي السني يغلب بطابع كسب الولاءات بالترغيب لدرجة جعلت من الخيارات السنية تقل إلى درجة الصفر في انتقالة غريبة للمشهد السني بين عامي 2010 وإبان فوز القائمة العراقية آنذاك حيث عرضت اغراءات هائلة لشق أفراد بعدد الأصابع منهم ولم تفلح المحاولات، وبين واقع 2018 حيث أصبح الانتقال ظاهرة سياسية لا علاج لها.

عناصر القوة:

يتميز النجيفي بكونه من أركان العملية السياسية ورئيس برلمان أسبق وصاحب علاقات داخلية وخارجية جيدة واستطاع خلال السنوات السابقة أن يحافظ على سمعة جيدة كشخصية مقبولة وقوية وايضا لديه مواقف سياسية ثابتة نوعا ما من بعض الملفات الداخلية والاقليمية لكن ربما تصطدم بعض الثوابت بنوع من البراغماتية العالية.

في المقابل تتميز شخصية الرئيس الحلبوسي بكونها جديدة أو من الجيل الثاني، وبرغم أنه دعم من خلال جبهة الفتح  ليترأس البرلمان إلا أنه حاول التوازن بعدها والتواصل مع كل الأطراف والتحرك على كل العواصم وإعطاء رسائل بالتوازن، لكن هذا التوازن الإعلامي والعلاقاتي لم يتحول إلى حقيقة في إدارة البرلمان، فلا زال الحلبوسي يميل إلى تنفيذ إرادة طرفي الحكومة (سائرون والفتح)، رغم ذلك فالحلبوسي استطاع أيضاً أن يظهر براغماتية عالية حتى الآن في الصمود أمام مطبات (أميركية ـ إيرانية) قوية جداً وهو عموماً يتعلم بسرعة فائقة حسب تقديرات ترصده بدقة.

من خلال الصورة تتميز جبهة النجيفي بأسماء سنية مهمة لها قدم سبق في العمل السياسي وتمثيل الشارع السني في السلطة، ولديها علاقات إقليمية ودولية مؤثرة، فيما يفتقر صف الحلبوسي لأسماء بقوة جبهة النجيفي، فيما تتقدم جبهة الحلبوسي بمقدار الإمكانات المالية والنفوذ الحكومي والتأثير على مصادر القرار السياسي والقضائي وأيضاً الجرأة في لي ذراع المتمرد أو من يعيق تحقيق الهدف.

اختار الحلبوسي اسماً براقاً لجبهته (تحالف القوى العراقية)، فيما كان اسم جبهة النجيفي (تحالف الإنقاذ والتنمية)، حيث أن مصطلح الانقاذ يوحي بقوة تحد لكنه لايخلو من إشارة لردة الفعل السياسي.

حسب الظاهر فإن جبهة النجيفي تميل إلى أطراف تحالف الإصلاح وطرحهم في التوازن والحياد واحترام إيران مع الانفتاح على أميركا وتخفيف حضور الأطراف المسلحة، فيما لا زالت جبهة الحلبوسي لم تحسم خيارها فهي تنسجم بالقرارات مع الطرف الشيعي القوي ولكنها لاتفوت الانسجام مع مطالبات الطرف الشيعي الآخر، لكن على العموم سيفرض عليها لاحقاً تغليب كفة على أخرى وحسم موقفها وتشخيص المربع الذي تقف فيه.

يركز الحلبوسي كثيراً على الأنبار فهي مركز القرار السني والعشائر العربية الشهيرة، ولديه نفوذ جيد في صلاح الدين ومد له ذراع في الموصل، في مقابل إصرار جبهة النجيفي على الموصل ثم بقية المدن تباعاً بما فيها الأنبار، وتمثل الأنبار خزان الأسماء السياسية الكبيرة، لكن الموصل تمثل الخزان البشري الصوتي الكبير في الانتخابات.

الجبهتان والعامل الإقليمي والدولي

الجبهات أيضاً، وإن كانت هشة فهي تقلل من صعوبة الخيارات الإقليمية والدولية. فلاشك أن العواصم العربية والاقليمية والسفارات المهمة في بغداد وبمقدار ما ستكون قريبة في الوقت الحالي من الجبهتين إلا أنها بالمحصلة ستدعم إحداهما ضد الأخرى لتكون حليفاً في تشيكل المشهد السياسي اللاحق مما يساعد لاحقاً على خلق هوية سياسية لكل جبهة قد تعتنقها بقناعة واختيار أو قد تفرض عليها طلبا للدعم والحماية والنفوذ.

بالمحصلة لن تستطيع الجبهتان أن تبقيا على مقربة من واشنطن وطهران والخليج معاً، فهذا غير متوقع ضمن حسابات التحليل السياسي وعليه لابد أن تحجز كل واحدة منها مقعدها في عربة ما، ولن يكون كل طرف منهم بعيداً عن تأثيرات وعقوبات الآخر في القريب العاجل.

فإيران استطاعت أن توفر لحفائها التاثير والنفوذ لكن عصا العقوبات الأميركية غليظة أيضاً وبين النفوذ والمال والسلطة وعصا العقوبات وقوائم الإرهاب سيكون الشق الذي سيرسم عموم صور التحالفات الوطنية القادمة.

الجبهات ليست سيئة

ورغم كل ما يمكن أن يقال من نقاط ضعف في أسس تكوين الجبهتين الحلبوسية والنجيفية لكن الحقائق لابد أن يكون لها إيجابيات أيضاً، فربما تستطيع إحدى الجبهتين أن تصمد فعلاً وتولد قيادة أو زعامة أقوى من السابق وبالتالي ستكون قد ولدت (مرجعية سياسية سنية) فعلية بالرغم من التشاؤم الموجود لدى النخب السنية من هذه المحصلة.

ايضا فإن فرز الساحة السياسية السنية على أساس جبهتين يخلق حالة إيجابية تفرض على الطرفين الكردي والشيعي في التعامل مع أحدهم وفقاً للقرب أو البعد من الرؤية السياسية، وبالتالي فالجبهتان وبالخصوص خلال الانتخابات المحلية القادمة ستكونان فرسي رهان لدى الأطراف الشيعية المتنافسة وسيسعى كلاً منهم لوضع عنبه في إحدي السلتين السنيتين، وعلى رغم التشاؤم من قوة استمرار هذه الجهات وصمودها امام الواقع فإن الجبهات العريضة ستساعد في الضغط على الواقع السياسي الشيعي في أن يختار بينهما وهذا ما يولد جبهات وطنية أكبر تتنافس أو تتحالف على الأساس السياسي أو تكون أرضية لتحالفات برلمانية قادمة، والأهم أن الجبهات السنية ستقود إلى تخفيف حالة التشظي البرلماني خلال العام الماضي، بمعنى أن الجبهتين الحلبوسية والنجيفية ستخلقان حالة توازان سياسي وبرلماني وستجران إليهما القوى الشيعية بقوة حيث لا خيار إلا في ان يختار أي طرف شيعي بينهما لاحقاً وهذه علامات صحة، فكلما زاد الفرز السياسي على اساس الجبهات والمشاريع السياسية اقتربنا من الحالة الثنائية العليا وهي المطلوب.

بقايا قوة المشهد السني:

ما يتبقى من المشهد السني غاية في الأهمية (صالح المطلك، خميس الخنجر، جمال الكربولي، أبو مازن، جمال الضاري، أنصارعلاوي) أطراف مهمة جداً وكل اسم منهم سيختار طريقه إما بالانضمام لجبهة ما أو خلق جبهة جديدة، بانتظار كيف سترسم ريشة الأسماء الاخيرة لوحة المشهد السني جبهوياً وفي أي محطة سيقف مشروع الزعامة السنية.

الثنائية الوطنية:

لقد حافظ المشهد الكردي على ثنائية (الاتحاد الوطني والديمقراطي الكردستاني) مع قوى أصغر وربما نحن على اعتاب خلق الثنائية السنية أيضاً بين (النجيفي والحلبوسي)، فيما تبقى الساحة الشيعية بانتظار الثنائية القادمة بعد أن تضعضت ثنائية (الإصلاح والفتح) وإن لم تتهشم وربما تساعد الثنائية السنية على إحياء الثنائية الشيعية من جديد.

الثنائيات السياسية الكردية والسنية الشيعية كفيلة بتقديم صورة سياسية جديدة مختلفة في انتخابات 2022 إن سارت الأمور على هذا الأساس ولم تعود إلى نقطة الصفر حيث الكل مع الكل، والكل ضد الكل، إلا ما أنتجته تحالفات المصالح والمناصب مغطى بالسياسة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق